قصة عباد بن شرحبيل

قصة كبت الله الكافر وأخدمَ وليدة، والعبر المستوحاة منها

بعث الله إبراهيم  عليه السلام  وليس على وجه الأرض يومئذ مسلم فجرى عليه من قومه ما جرى وآمنت به امرأته سارة ثم أمن له لوط – عليه السلام – ومع هذا نصره الله ورفع قدره وجعله إماما للناس ، ومنذ ظهر إبراهيم – عليه السلام – لم يعدم التوحيد في ذريته كما قال تعالى: { وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون } فإذا كان هو الإمام فنذكر شيئا من أحواله لا يستغني مسلم عن معرفتها.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ( بينما إبراهيم عليه السلام ذات يوم و سارة ، إذ أتى على جبّار من الجبابرة ، فقيل له : إن ها هنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس ، فأرسل إليه ، فسأله عنها فقال : من هذه ؟ فقال له : أختي ، فأتى سارة فقال : يا سارة ، ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك ، وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي ، فلا تكذبيني ، فأرسل إليها ، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده ، فأُخذ ، فقال : ادعي الله ولا أضرّك ، فدعت الله فأُطلق ، ثم تناولها الثانية فأُخذ مثلها أو أشد ، فقال : ادعي الله لي ولا أضُرّك ، فدعت فأُطلق ، فدعا بعض حجبته فقال : إنكم لم تأتوني بإنسان ، إنما أتيتموني بشيطان ، فأَخدمها هاجر ، فأتته – وهو يصلي – ، فأومأ بيده : مهيا ، قالت : ردّ الله كيد الكافر – أو الفاجر – في نحره ، وأخدم هاجر ) رواه البخاري .

وفي رواية أخرى للحديث : ( لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات ، إثنتين منهن في ذات الله عز وجل ، قوله : { إني سقيم } ، وقوله : { بل فعله كبيرهم هذا } ، وبينما هاجر إبراهيم عليه السلام بسارة ، دخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو جبّار من الجبابرة ، فقيل : دخل إبراهيم بامرأة هي من أحسن النساء ، فأرسل إليه أن يا إبراهيم ، من هذه التي معك ؟ ، قال : أختي ،  ثم رجع إليها فقال : لا تُكذّبي حديثي ، فإني أخبرتهم أنك أختي ، والله ما على الأرض مؤمن غيري وغيرك ، فأرسل بها إليه ، فقام إليها ، فقامت تتوضّأ وتصلي فقالت : اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي ، فلا تُسلّط عليّ الكافر ، فغُطّ حتى ركض برجله ، فقالت : اللهم إن يمت يُقال هي قتلته ، فأُرسل ، ثم قام إليها فقامت تتوضأ وتصلي وتقول : اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي ، فلا تُسلّط علي هذا الكافر ، فُغطّ حتى ركض برجله ، فقالت : اللهم إن يمت يقال هي قتلته ، فأُرسل في الثانية أو في الثالثة فقال : والله ما أرسلتم إلي إلا شيطاناً ،  أرجعوها إلى إبراهيم وأعطوها هاجر ، فرجعت إلى إبراهيم عليه السلام فقالت : أشعرت أن الله كَبَتَ الكافر ، وأخدمَ وليدةً ؟ ) رواه البخاري .

شرح القصة

منذ فجر التاريخ كان طريق الأنبياء عليهم السلام محفوفاً بالمتاعب ، وحياتهم مليئة بأصناف البلاء التي تتوالى عليهم المرّة تلو الأخرى ، وتلك سنّة الله في أنبيائه .

وكان لنبي الله إبراهيم نصيبٌ وافرٌ من ذلك ، فقد لقي في حياته ألواناً من الأذى النفسي والجسديّ ، في نفسه وأهله ، ناهيك عن فراق الأوطان ، ومقابلة قومه لدعوته بالصدّ والاستهزاء . ومع مشهدٍ من مشاهد الابتلاء التي عايشها إبراهيم عليه السلام ، مشهد يرسم لنا على وجه الدقّة نصرة الله لأوليائه على أعدائه ، وكيف يحميهم من محاولات المكر بهم ، مصداقاً لقوله تعالى : { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } ( غافر : 51).

فبعد أن أفرغ إبراهيم جهده في دعوة قومه بكافّة الوسائل ، وما قابلوه من محاولةِ قتله والتخلّص منه ، كان من الضرورة أن يبحث له عن أرضٍ أخرى يتمكّن فيها من عبادة الله بحريّة أكبر ، ويمارس واجبه الدعوي مع أقوامٍ آخرين .

وانتهى المسير بإبراهيم عليه السلام إلى أرض مصر مصطحباً معه زوجته سارة عليهما السلام ، ومع مضيّ الوقت بدأ الناس يسمعون به وبزوجته ، وكانت سارة عليها السلام على قدرٍ عالٍ من الجمال قلّ أن يوجد له نظير ، وتناقل الناس أخبارها حتى وصل ذكرها إلى ملكهم ، وكان طاغية من الطغاة الذين لا يتورّعون عن سفك الدماء لأتفه الأسباب .

عندها أرسل الملك إلى إبراهيم عليه السلام ليقابله ويسأله عن سارة ، فقال له : إنها أختي – وهو يقصد أخوّة الإسلام – ، والسبب في ذلك أن العادة قد جرت عند ذلك الملك أن يتعرّض للنساء المتزوّجات دون الأبكار ، ففطن إبراهيم عليه السلام لتلك الحقيقة فادّعى أنها أخته ليحميها من السوء الذي يُراد بها ، لكنّ الملك كان مصرّاً على رؤية سارة عليها السلام فطلب من نبي الله إبراهيم أن يعود إليه بها.

وشعر إبراهيم عليه السلام بخطورة الموقف ، فعاد إلى زوجته مسرعاً وأخبرها بما جرى بينه وبين الملك ، وأوصاها أن تكتم حقيقة أمرها ، حتى يتمكّنا من النجاة من هذه المحنة العصيبة .

وإن بلاءً بهذا القدر لا يكشفه إلا مجيب المضطرّين ومغيث المكروبين ، فما كان من إبراهيم عليه السلام إلا أن استغاث بربّه وفزع إلى مولاه ، سائلاً أن يحفظ عليه زوجته من كيد الملك.

ودخلت سارة عليها السلام على الملك متطهّرة ولسانها يلهج بالدعاء ألا يُسلّط عليها أحداً ، ولما قام الملك إليها وأراد النيل منها ، قبض الله يده عنها ، وشعر باختناق حتى جعل يركض برجله كالمصروع ، وفي غمرة آلامه طلب منها أن تدعو الله له أن يزول عنه البلاء ، ووعدها ألا يتعرّض لها ، فدعت الله أن يكشف عنه حتى لا تُتهم بقتله .

وعلى الرغم من الوعود التي قطعها الملك على نفسه إلا أنه حاول النيل منها ثلاث مرّات ، وفي كلّ مرّة يصيبه ذلك الانقباض والاختناق ، حتى يأس من الوصول إليها ، وعلم أنها محفوظة بحفظ الله ، فأطلق سراحها وأهدى لها خادمة هي هاجر عليها السلام ، ولمّا خرجت من عنده عاتب أعوانه قائلاً لهم : ” إنكم لم تأتوني بإنسان ، إنما أتيتموني بشيطان ” وذلك لظنّه أن ما أصابه من الصرع من أعمال الجن وتصرّفاتهم .

وانطلقت سارة عليها السلام مسرعةً إلى زوجها لتبشّره بنجاتها وسلامتها ، فدخلت عليه وهو قائم يصلّي ، فسألها عن الخبر ، فقالت له : ” ردّ الله كيد الكافر – أو الفاجر – في نحره ” .

العبر المستوحاة من القصة

  1. أثر الدعاء في إزالة الكرب وكشف الضرّ عن المؤمنين .
  2. جواز قبول هديّة المشرك ، فقد قبل إبراهيم عليه السلام الخادمة التي أرسلها الملك.
  3. مشروعيّة الوضوء في الأمم التي كانت قبلنا مع جهلنا بكيفيّته .
  4. ابتلاء الله للأنبياء والصالحين ، رفعةً لهم وزيادةً في حسناتهم ، كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : ( يُبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رقة ابتلى على حسب دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض ما عليه خطيئة ) رواه الترمذي .

وردت بعض الأحاديث القدسية في شأن نبي الله إبراهيم عليه السلام، وإليك نصها:

  1. عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض. التفت فرأى رجلا يزني فدعى عليه فمات، ثم رأى آخر فدعى عليه فمات، حتى رأى ثلاثة فدعى عليهم فماتوا، فأوحى الله تعالى إليه يا إبراهيم إن دعوتك مجابة فلا تدع على عبادي. فإني لو شئت لم أخلقهم إني خلقت خلقي على ثلاثة أصناف عبدا يعبدني لا يشرك بي شيئا، فأثيبه، وعبدا يعبد غيري فلن يفوتني، وعبدا يعبد غيري فأخرج من صلبه من يعبدني.
  2. عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث يذكر فيه قصة إبراهيم وأنه لما خرج سائرا بجميع ما معه خرج الملك القبطي يمشي خلف إبراهيم إعظاماً له، وهيبة فأوحى الله تعالى إلى إبراهيم أن قف، ولا تمش قدام الجبار المتسلط ويمشي هو خلفك، ولكن اجعله أمامك وامش خلفه وعظمه وارهبه فانه مسلط، ولا بد من أمرة في الأرض برة أو فاجرة.
  3. عن محمد الواسطي قال قال أبو عبد الله عليه السلام إن إبراهيم عليه السلام شكى إلى الله ما يلقى من سوء خلق سارة فأوحى الله تعالى إليه إنما مثل المرأة مثل الضلع المعوج إن أقمته كسرته وإن تركته استمتعت به اصبر عليها.
  4. عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام قال أول من شاب إبراهيم فقال يا رب ما هذا، قال نور وتوقير، قال يا رب زدني منه.
  5. عن أمير المؤمنين عليه السلام قال لما أراد الله قبض روح إبراهيم عليه السلام بعث إليه ملك الموت فسلم فرد عليه السلام، ثم قال له أزاير أنت أم داع، فقال بل داع فاجب، فقال هل رأيت خليلا يميت خليلا فرجع حتى وقف بين يدي الله، فقال الهي قد سمعت ما قال خليلك إبراهيم فقال الله عز وجل يا ملك الموت اذهب إليه وقل له هل رأيت حبيبا يكره لقاء حبيبه إن الحبيب يحب لقاء حبيبه. وعن أبيه عن سعد عن البرقي عن محمد بن علي الكوفي عن الحسن بن أبي العقبة عن الحسين بن خالد عن الرضا عليه السلام قال إن إبراهيم لما وضع في كفة المنجنيق غضب جبرائيل فأوحى الله إليه ما يغضبك يا جبرائيل قال يا رب خليلك ليس من يعبدك على وجه الأرض غيره سلطت عليه عدوك وعدوه فأوحى الله إليه اسكت إنما يعجل العبد الذي يخاف الفوت مثلك، فأما أنا فإني آخذه إذا شئت فاهبط الله خاتما فيه ستة أحرف لا اله إلا الله محمد رسول الله لا حول ولا قوة إلا بالله فوضت أمري إلى الله أسندت ظهري إلى الله حسبي الله، فأوحى الله إليه أن تختم بهذا الخاتم، فأني أجعل النار عليك بردا وسلاما…
  6. عن أبي ذر رحمه الله في حديث طويل عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال قلت يا رسول الله كم أنزل الله تعالى من كتاب، قال مئة كتاب وأربعة كتب أنزل الله تعالى على شيث خمسين صحيفة وعلى إدريس ثلاثين صحيفة وعلى إبراهيم عشرين صحيفة، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، قلت يا رسول الله فما كانت صحف إبراهيم، قال كانت أمثالا كلها أيها الملك المغرور المبتلى إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فان لا أردها وان كانت من كافر، وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا أن يكون له ساعات ساعة يناجي فيها ربه تعالى، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيها صنع الله، وساعة يخلو فيها بحض نفسه من الحلال، فان هذه الساعة عون لتلك الساعات، واستجمام للقلوب، وتفريغ لها، وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظاً للسانه فانه من حسب كلامه من عمله قل كلامه ألا فيما يعنيه، وعلى العاقل أن يكون طالبا لثلاث مرمة لمعاش، وتزود للمعاد، ولذة في غير محرم.
  7. عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام أوحى الله إلى إبراهيم أن الأرض قد شكت إلي الحياء من رؤية عورتك فاجعل بينك وبينها حجابا فجعل شيئا هو أكبر من الثياب ودون السراويل فلبسه فكان إلى وركيه. وروى الشهيد الثاني في كتاب مسكن الفؤاد ان إبراهيم سأل ربه، فقال يا رب ما جزاء من يبل الدمع وجهه من خشيتك قال صلواتي ورضواني، قال فما جزاء من يصبر الحزنى ابتغاء وجهك، قال أكسوه ثيابا من الإيمان يكسب بها الجنة ويتقي بها النار، قال فما جزاء من سدد الأرملة ابتغاء وجهك، قال أقيمه في ظلي وأدخله جنتي، قال فما جزاء من تبع الجنازة ابتغاء وجهك، قال تصلي ملائكتي على جسده وتشفع روحه.
  8. وروى الشيخ الجليل علي بن الحسين المسعودي في كتاب أخبار الزمان أن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام انك لما سلمت مالك للضيفين وولدك للقربان ونفسك للنيران وقلبك للرحمن اتخذناك خليلا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *