قصة عباد بن شرحبيل

التكبر ومخاطره: قصة فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، والعبر المستوحاة منها

من أعظم المفاسد الأخلاقية التي يتعرض لها الأفراد والمجتمعات هي  الغرور، ذلك الداء الذي يدل على نقصان الفطنة وطمس نور العقل والبصيرة، فينخدع العبد بما آتاه الله فيتعالى على الناس ويتكبر، ويسير وراء شهواته ونزواته بالأخطاء بسبب الجهل، “يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ”، (الانفطار)، وهو مرض من أمراض القلب المعنوية التي لا تؤلم المريض فحسب ولكن تزعج من حوله أيضا. الغرور لا يعني الثقة بالنفس بل الشعور بالنقص بداخل الشخص المغرور الذي يريد أن يخفيه عن الناس في ثوب التكبر والغرور متناسيا أن الدنيا متاع الغرور، “يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ”، (غافر- 39). ، قال الله تعالى: “اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ”، (الحديد- 20). فقد يغتر الإنسان بكثرة ماله أو جماله أو سلطته ولكن ما لا يعلمه المغتر أنه ما رفع الله شيئاً إلا وضعه، وأن دوام الحال من المحال، ويبقى غنى النفس والجمال الروحي. فالغرور نهايته الندم والأنكسار، والتواضع ليس له نهاية، فهو بداية للرفعة في الدنيا والآخرة يوم لا ينفع مال ولا جمال ولا قوة ولا غيره إلا من أتى الله بقلب سليم.

حديث الرسول عن التكبر والغرور

عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : ( بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خُسف به ، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة ) متفق عليه متفق عليه .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : ( بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه ، مرجّلٌ جمّته ، إذ خسف الله به ، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة ) رواه البخاري .

وفي إحدى روايات مسلم : ( إن رجلا ممن كان قبلكم يتبختر في حلة..) الحديث.

شرح الحديث

ونستعرض في الحديث الذي نتناوله صورة قاتمة لنهاية أحد المتكبّرين الذين يزخر بهم الواقع ، نفث الشيطان فيه معاني الكبر والخيلاء ، فإذا به يتعاظم في المجالس ويتعالى على الخلق ، ويختال في مشيته كأنّه ليس في الأرض غيره ، ويرى الناس من طرف عينه ، ما زاده من الله بُعدا، ومن خلقه بُغضاً . وسنة الله جاريةٌ ألا يدع أحداً من المتكبّرين حتى يحطّم كبرياءه وغروره ويريه ضآلة نفسه ، فكان عقاب ذلك الرجل أنه في أحد الأيام وهو يمشي متبختراً كعادته إذا بالأرض تخسف من تحت قدميه حتى تبتلعه ، ثم تبدأ حياته البرزخيّة التي يلقى فيها ألواناً من العذاب الأليم جزاء تطاوله وغطرسته .

أما الخزي الأكبر ، ففي يوم القيامة ، حين يحشره الله جلّ جلاله مع إخوانه من المتكبّرين كفرعون وهامان وأبي جهل ، فيكونون صغاراً كأمثال الذرّ يطؤهم الناس بأقدامهم ، كما قال المصطفى – صلى الله عليه وسلم – : ( يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس ، يعلوهم كل شيء من الصغار ، حتى يدخلوا سجناً في جهنم ، فتعلوهم النار ، ويسقون من طينة الخبال – عصارة أهل النار – ) رواه الترمذي .

العبر المستوحاة من الحديث

  1. التحذير من التكبر والإستعلاء.
  2. سوء عاقبة الكبر والخيلاء في الدنيا والآخرة.
  3. بعض الذنوب يُعَجِّلُ اللهُ العقوبةَ لصاحبِها في الدنيا قبل الآخرة كما حدث مع هذا المتكبر.
  4. الجزاء من جنس العمل.
  5. إثبات عذاب القبرو حياة البرزخ.
  6. الإيماء إلى فضل التواضع والانكسار بين يدي الخالق سبحانه وتعالى .

احاديث وايات قرآنية عن التكبر والغرور

قد نهى الله عن التكبر  في عدد من النصوص القرآنية :

  1. قال تعالى : ( وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً { أي : متبختراً متكبراً ، وقال :} وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) .
  2. وقد ثبت في صحيح الإمام مسلم قول نبينا صلى الله عليه وسلم :«لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» . فقَالَ رَجُلٌ : إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً ؟ قَالَ :«إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ ، الْكِبْرُ : بَطَرُ الْحَقِّ ، وَغَمْطُ النَّاسِ» .
  3. والمتكبر لا يدخل جنة الله ، فقد ثبت عن سيِّد المتواضعين أنه قال :« لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر))[مسلم].
  4. والمتكبر مأواه جهنم وساءت مصيراً ، قال صلى الله عليه وسلم :«أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِر» [البخاري ومسلم] .
  5. وقال صلى الله عليه وسلم  في الحديث الذي يرويه عن ربه سبحانه :«الكبرياء ردائي والعزة إزاري فمن نازعني فيهما شيئاً أُلقيه في النار» أخرجه الإمام أحمد . فالتكبر من صفات الله وهو له لا يقتضي نقصاً بوجه من الوجوه .
  6. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :«احْتَجَّتْ النَّارُ وَالْجَنَّةُ ، فَقَالَتْ هَذِهِ : يَدْخُلُنِي الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ . وَقَالَتْ هَذِهِ : يَدْخُلُنِي الضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ . فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِهَذِهِ : أَنْتِ عَذَابِي ، أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ ، وَقَالَ لِهَذِهِ : أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا» [أخرجه مسلم] .
  7. عن الرسول  صلى الله عليه وسلم :« يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ ، يَغْشَاهُمْ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ ، يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ» [أخرجه الترمذي] .
  8. وقد ثبت في الحديث أَنَّ أَبَا دُجَانَةَ يَوْمَ أُحُدٍ أَعْلَمَ بِعِصَابَةٍ حَمْرَاءَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وَهُوَ مُخْتَالٌ فِي مِشْيَتِهِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَقَالَ: «إِنَّهَا مِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إِلا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ» .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *