قصة عباد بن شرحبيل

الأمانة والقناعة من القيم الإسلامية: قصة جرّة الذهب والعبر المستوحاة منها

تُعتبر الأمانة من أهمّ الفضائل الأخلاقيّة والقيم الإسلاميّة والإنسانيّة، وقد ورد الحثّ عليها في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة. وقد أولاها علماء الأخلاق والسالكون إلى الله تعالى أهميّة كبيرة على مستوى بناء الذّات والشخصيّة، وعلى العكس من ذلك “الخيانة” فتُعتبر من الذّنوب الكبيرة والرذائل الأخلاقيّة في واقع الإنسان وسلوكه الاجتماعي. الأمانة رأس مال المجتمع الإنساني والسبب في شدّ أواصر المجتمع وتقوية الروابط بين النّاس.

حديث عن الأمانة

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : ( اشترى رجل من رجل عقاراً له ، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرّة فيها ذهب ، فقال له الذي اشترى العقار : خذ ذهبك مني ،إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب ، وقال الذي له الأرض : إنما بعتك الأرض وما فيها ، فتحاكما إلى رجل ، فقال الذي تحاكما إليه : ألكما ولد ؟ ، قال أحدهما : لي غلام ، وقال الآخر : لي جارية ، قال : أنكحوا الغلام الجارية ، وأنفقوا على أنفسهما منه ، وتصدقا ) متفق عليه .

شرح قصة الحديث

تدور أحداث هذه القصة عن رجل إشترى عقاراً، وعندما بدأ بتجهيزه وتهيئته للسكن ، بينما هو يحفر بالفأس إصطدم بجرة، ولما أخرجها وجدها مملوءة ذهباً، ولكن الأمانة التي كان يتصف بها الرجل لم يلتفت إلى بريق الذهب ولمعانه، بل كان همه ان يرجع المال لصاحبه، فذهب إلى الرجل وقال له :  ( خذ ذهبك مني ، إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب! )  ، فإن العجب يتعاظم من موقف صاحبه الذي أعاد له المال قائلاً : ( إنما بعتك الأرض وما فيها ) .

وقام الرجلان يتدافعان الجرّة ، كلٌّ يدّعي أن صاحبه أحقّ بها ، وبعد نقاشٍ دام طويلاً اتفقا على أن يُحكّما بينهما رجلاً ، فوقفا بين يديه ، وعرض الأوّل وجهة نظره ، وعرض الثاني رأيه وقوله . نظر الحَكَم إليهما مُعجباً بسموّ أخلاقهما وعظيم نبلهما ، ورأى أن هذه النماذج الفريدة جديرةٌ بأن يلتئم شملها تحت مظلّة واحدة ، تربط بينها أواصر النسب ووشائج المصاهرة ، وقد وجد بغيته حينما علم أن للأوّل غلاماً وللثاني جارية لم يتزوّجا بعد ، فأصدر حكمه : ( أنكحوا الغلام الجارية ، وأنفقوا على أنفسهما منه ، وتصدّقا ) .

العبر المستوحاة من القصة

  1. أداء الأمانة مطلوب لقول الله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) .
  2. القناعة كنز لا يفنى تعود بالخير والبركة على صاحبها .
  3. مشروعية الاحتكام إلى عالم بالكتاب والسنة ، دون الذهاب إلى المحاكم المدنية التي تضيع الأموال والأوقات عملاً بقول الله تعالى : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ).
  4. من رضي بما أعطاه الله كان من أغنى الناس لقوله صلى الله عليه وسلم :-(وأرضَ بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس) .
  5. الرزق مقسوم ، لا بد أن يصل إليك في وقته ومقداره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت).
  6. على المسلم أن يقنع بالحلال ، ويترك الحرام والطمع فيما ليس له ، ويأخذ بالأسباب المشروعة للرزق ، وأن العمل الصالح يكفل له السعادة في الدنيا والآخرة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا الله وأحملوا في الطلب) .
  7. الحكم العادل يرضي المحتكمين .

آيات قرآنية وأحاديث عن الأمانة

  1.  قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 27).
  2. قوله تعالى في الأحزاب: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (الأحزاب: 72).
  3. قوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (النساء: 58).
  4. قوله تعالى  في المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (المؤمنون: 8).
  5. عن أنس بن مالك قال ما خطبنا نبي الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له».
  6. عن يوسف بن ماهك المكي قال: حدثني أبي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك».
  7.  عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم».

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *