ترتيب سور القرآن الكريم

  مصنف: القرآن الكريم 516 1

هل تعلم أن ترتيب سور القرآن الكريم ليس كما نزلت على سيدنا محمد ﷺ.  لنتعرف على كيف أصبح ترتيب السور في القرآن الكريم  على الشكل الذي نراه اليوم في معظم المصاحف في العالم.

نبذة عن تركيب القرآن

يقسم القرآن إلى 114 فصلًا مختلفة الطول تُعرف باسم “السُوَر” ومفردها “سورة”.  وتقسم السور إلى نوعين سور مكية وسور مدنية

وتُقسم كل سورة من سور القرآن إلى عدَّة آيات يختلف عددها باختلاف السور، كما يختلف طولها أيضًا، حيث إن بعضها عبارة عن بضعة حروف وبعضها الآخر عبارة عن عدد من السطور

وقد قسَّم العلماء سور القرآن إلى ثلاثة أقسام وفقًا لطولها، ألا وهي:

  1. السبع الطوال وهي سور البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، وبراءة. وسميت بالطوال لطولها.
  2. المئون، وهي ما ولي السبع الطوال، سُمِّيَت بذلك لأن كل سورة منها تزيد على مائة آية أو تقاربها
  3. المثاني، وهي ما ولي المئين

تسمية السور

وقام المسلمون الأوائل بتسمية سور القرآن بحسب تكرر الاستعمال. فمن المعلوم أن العرب تراعي في الكثير من المسميات أخذ أسمائها من نادر أو مستغرب يكون في الشيء من خَلْق أو صفة تخصه، أو تكون معه أحكم أو أكثر أو أسبق.

هكذا جرَت أسماء سور القرآن، فمثلاً

  • سورة البقرة سميت بهذا الاسم لقرينة ذكر قصة البقرة المذكورة فيها.
  • سميت سورة النساء بهذا الاسم لما تردد فيها من كثير من أحكام النساء.
  • تسمية سورة الأنعام لما ورد فيها من تفصيل في أحوالها.
  • سُميت سورة الإخلاص كذلك لما فيها من التوحيد الخالص.

وقد جُمعت السور الطويلة في أوَّل المصحف والقصيرة في آخره، وبالتالي فإن ترتيب السور ليس بحسب تاريخ نزولها.

البسملة 

وجميع هذه السور تبدأ بالبسملة: (بسم الله الرحمن الرحيم)، عدا سورة التوبة.

ويفسِّر العلماء ذلك :

  1. بقولهم إنها نزلت بالقتال بينما البسملة بركة وطمأنة فلا يناسب أن تبدأ السورة التي في القتال وفي الحديث عن المنافقين بالبسملة.
  2. وقيل أيضًا لأن العرب كان من شأنهم أنهم إذا كان بينهم وبين قوم عهد فإذا أرادوا التوقف عنه كتبوا إليهم كتابًا ولم يكتبوا فيه بسملة، فلما نزلت السورة بنقض العهد الذي كان بين النبي محمد والمشركين بعث بها النبي علي بن أبي طالب، فقرأها عليهم ولم يبسمل في ذلك على ما جرت به عادة العرب.

لكن على الرغم من ذلك، فإن عدد البسملات في القرآن يصل إلى 114 بسملة ليتساوى بذلك مع عدد السور، وذلك لأن إحدى البسملات ذُكرَت في صُلب سورة النمل وتحديدًا في الآية رقم 30، على أنها ما كان النبي والملك سليمان يفتتح به رسائله إلى بلقيس ملكة سبأ: 
{ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }

ترتيب سور القرآن الكريم

لقد اختلف العلماء في ترتيب سور القرآن الكريم وجاء ثلاث أقوال لأهل العلم في ذلك: 

1. ترتيب السور توقيفي

يرى أصحاب هذا القول أنّ ترتيب سور القرآن الكريم في المصحف كما هو عليه الحال الآن توقيفي، إذ إنّ وضع كل سورة في مكانها كان بأمر من النبي ﷺ عن جبريل عليه السلام عن الله عزّ وجلّ.  تماماً كما هو الحال في ترتيب الآيات. وقد بيّن أبو بكر الأنباري أن تقديم سورة أو تأخيرها يُفسد نظم القرآن الكريم، إذ إنّ اتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن رسول الله .
وقال الكرماني في البرهان:

ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب

وقال أبو جعفر النحاس رحمه الله:

إن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم

وقال ابن الحصَّار

ترتيب السور ووضع الآيات موضعها إنما كان بالوحي

ووضّح الطيبي  أنّ نزول القرآن الكريم ابتداءً كان جملةً واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثمّ نزل على رسول الله ﷺ مفرّقاً حسب المصالح، ثمّ أُثبت في المصاحف على النظم والتأليف المثبت في اللوح المحفوظ، وأكّد ابن الحصار -رحمه الله- أنّ وضع الآيات وترتيب السور كان بالوحي.

واستدل هذا الفريق على رأيه: 

  • بإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ترتيب سور المصحف العثماني، ولو لم يكن ترتيب السور توقيفي أي بالاجتهاد لتمسك أصحاب المصاحف المخالفة بترتيب مصاحفهم.
  • بالإضافة إلى ذلك قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى: “ومما يدل على أن ترتيب المصحف كان توقيفيًّا ما أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما عن أوس بن أبي أوس حذيفة الثقفي قال:

 كنت في الوفد الذين أسلموا من ثقيف، فسألنا الصحابة  رضي الله عنهم قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل من “ق” حتى نختم

وقد علّق ابن حجر العسقلاني رحمه الله 

فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

وإذا جمعنا السور كما في الحديث يكون الناتج ثمانية وأربعين، وبالرجوع إلى المصحف نجد سورة (ق) بعد ثمانية وأربعين سورة.

  • قال السيوطي رحمه الله تعالى:

ومما يدل على أنه توقيفي كون الحواميم رتبت وَلاءً “يعني متوالية” وكذا الطواسين، ولم ترتب المسبحات ولاء، بل فصل بين سورها وفصل بين “طسم” الشعراء و”طسم” القصص بـ “طس” مع أنها أقصر منهما، ولو كان الترتيب اجتهادا لذكرت المسبحات ولاء، وأخرت “طس” عن القصص

 

2. ترتيب سور القرآن كان اجتهادا من الصحابة

ويرى أصحاب هذا القول أنّ ترتيب السور في المصحف كان باجتهادٍ من الصحابة رضي الله عنهم، وهذا هو قول جمهور العلماء.

قال ابن فارس:

جمع القرآن على ضربين: أحدهما: تأليف السور كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين فهذا هو الذي تولته الصحابة وأما الجمع الآخر وهو جمع الآيات في السور فهو توقيفي تولاه النبي -صلى الله عليه وسلم- كما أخبر به جبريل عن أمر ربه

واستدلوا على قولهم

  • اختلاف ترتيب السور في مصاحف الصحابة قبل أن يجمع القرآن، فلو كان توقيفيًّا لاتفقت مصاحفهم كما اتفقت في ترتيب الآيات، فقد كان مصحف علي مرتبًا على النزول وأول مصحف ابن مسعود البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، ومصحف أُبيّ الفاتحة، ثم البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران.
  • ما رواه مسلم في صحيحه عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى بالبقرة، ثم النساء ثم بآل عمران في ركعة. قال عياض: هو دليل لكون ترتيب السور وقع باجتهاد الصحابة حين كتبوا المصحف

3. ترتيب بعض السور كان توقيفياً، وبعضها الآخر كان باجتهاد الصحابة

يرى أصحابه أنّ ترتيب بعض السور كان توقيفياً، وبعضها الآخر كان باجتهاد الصحابة رضي الله عنهم، وقد بيّن ابن عطية رحمه الله أنّ الكثير من السور قد عُلم ترتيبها في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، كالسبع الطوال، والحواميم، والمفصل، وما بقي من السور يُحتمل أن يكون قد فوّض الأمة بترتيبه من بعده، وقال أبو جعفر بن الزبير:  الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية ويبقى منها قليل يمكن أن يجري فيه الخلاف.

  •  استدل القائلون بالتوقيف في ترتيب السور بإجماع الصحابة على ترتيب عثمان رضي الله عنه وهذا لا يدل على ما ذهبوا إليه، لأن إجماعهم على ترتيب عثمان لا يشترط له أن يستند إلى التوقيف عن الرسول ﷺ فقد وافقوا عثمان على هذا الترتيب توحيدًا لكلمة الأمة وقطعا لأسباب الاختلاف كما وافقوا على الاقتصار على حرف واحد.
    أما استدلالهم بحديث حذيفة فإن ذكر العدد لا يلزم منه ترتيب السور، بل قال ابن حجر نفسه الذي استدل بهذا الحديث “ويحتمل أن الذي كان مرتبا حينئذ حزب المفصل خاصة بخلاف ما عداه”
    وأما استدلال السيوطي فإن ما أورده لا يلزم منه أن ترتيب السور توقيفي فعدم ترتيب المسبحات ولاء قد يكون لمراعاة مناسبات أخرى أهم من مناسبة فواتح السور، ولهذا مال السيوطي نفسه إلى رأي آخر.
  • وأما القائلون بأن الترتيب كان كله بطريق الاجتهاد، فإن من أدلتهم اختلاف ترتيب السور في مصاحف الصحابة ولا يصلح هذا دليلًا على ما ذهبوا إليه فقد يكون ترتيب الصحابة قبل أن يعلموا بالتوقيف فلما بلغهم ذلك رجعوا عن ترتيب مصاحفهم.
    وأما استدلالهم بأن الرسول ﷺ قد صلى بالبقرة والنساء وآل عمران في ركعة فلا يدل على ما ذهبوا إليه كما قال السيوطي، وعلل ذلك بقوله: “لأن ترتيب السور في القراءة ليس بواجب ولعله فعل ذلك لبيان الجواز” 
  • وأما الرأي الثالث فإنه يستند إلى أدلة الرأي الأول وهو أن ترتيب السور توقيفي أما القسم الاجتهادي فإن أدلته ضعيفة لا تستند إلى دليل قوي.

الرأي الراجح

إن استعراض الأدلة يوقفنا على ثبوت التوقيف في ترتيب أكثر سور القرآن الكريم وما لم يرد دليل على ترتيبه لا يعني أنه رتب بطريق الاجتهاد، فقد يكون ترتيبه بدليل لم يصل إلينا.
وعلى هذا فإن الرأي الراجح أن ترتيب سور القرآن الكريم كترتيب آياته بالتوقيف عن الرسول ﷺ عن جبريل عليه السلام عن ربه سبحانه وتعالى مع ما في أدلة هذا الرأي من الاحتمال كما ذكر إلا أنه أقوى الآراء.

حكم ترتيب السور في الصلاة عند قراءتها

إن من السنة قراءة السور في الصلاة كما رتب الصحابة المصحف.  فتنكيس السور في القراءة في الصلاة خلاف الأفضل فإن خالف وفعل ذلك فلا حرج عليه والصلاة صحيحة.  

قال ابن قدامة في المغني : 

والمستحب أن يقرأ في الركعة الثانية بسورة بعد السورة التي قرأها في الركعة الأولى في النظم لأن ذلك هو المنقول عن النبي صلى الله عليه و سلم، وقد روي عن ابن مسعود أنه سئل عمن يقرأ القرآن منكوسا قال : ذلك منكوس القلب وفسره أبو عبيدة بأن يقرأ سورة ثم يقرأ بعدها أخرى هي قبلها في النظم، فإن قرأ بخلاف ذلك فلا بأس به قال أحمد لما سئل عن هذه المسألة لا بأس به أليس يعلم الصبي على هذا ؟ وقال في رواية مهنا أعجب إلي أن يقرأ من البقرة إلى أسفل، وقد روي أن الأحنف قرأ بالكهف في الأولى وفي الثانية بيوسف وذكر أنه صلى مع عمر الصبح بهما استشهد به البخاري

وأما تنكيس الآيات  فيحرم لأن الآيات قد وضعها صلى الله عليه وسلم ولما فيه من مخالفة النص، وتغيير المعنى.

يوسف محمود

كاتب ومترجم وخبير برمجة لاكثر من 20 سنة. مهتم بالغذاء والصحة وعلاج الامراض بالاعشاب والطرق الطبيعية.

أقرأ مقالاتي الأخرى